أسس الحفاظ على
ما من شك أن التعرف على عادات وتقاليد الشعوب قديما، أمر يدعو للاهتمام ويجذب دائما القارئ للاطلاع على ثقافات الشعوب قديماً أو حديثاً، ونجد أن الشيء الغريب في الاكتشافات القديمة هو أنه كلما رأينا فيها شي مشابه لنا في عصرنا الحديث، وجدناها أكثر إثارة للدهشة.
فقبل بضعة أشهر مثلاً تم الكشف عن أقدم مبخرة من الحجر الجيري في سلطنة عُمان؛ ليكون دليلاً على أن الإنسان العربي القديم كان يستخدم شيئاً من العادات الاجتماعية الباقية أمامنا للآن منذ زمن بعيد، وفي الأساطير القديمة حتى الآلهة رددوا هذه العادة الاجتماعية، فكانت كاهنة أبولو تدخل في نشوة بسبب الأبخرة، بينما في مصر كانت الخالدة "هاثور" أكثر اعتياداً على استخدام "المرّ"، وهي النبتة الخاصة التي كانت تستخدم خلال فترات ما بعد الظهيرة فقط.
في قديم الأزل، قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد تقريباً، أنتجت مملكة ماجان (وهي حالياً أراضٍ لكل من سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة) حسب ما ذكرته لنا الحضارة السومرية، أنتجت أول مواقد للبخور "المباخر" وكانت ذات شكل دائري تشبه الموقد والذي أصبح عنصراً أساسياً في معظم البيوت العربية، حيث انتشرت النكت عن الدخان الذي كان يتغلغل في كل منزل أثناء جائحةكورونا، فنجد أن العديد من العائلات بما في ذلك عائلتي قد أحرقت بشكل مفرط العود واللبان وأي "مواد طاردة" للإنفلونزا كانت متوفرة لدينا.
يتحدث العالم العربي أحمد المقري من القرن السابع عشر، والذي درس بجامعة القرويين، عن العادات والتقاليد الاجتماعية ليوم الجمعة في مسجد قرطبة الكبير، وكيف تم حرق ما يقارب نصف كيلوغرام من خشب العود الغني ليلة الجمعة، ثم ينشر عبقه أسبوعياً في مساء تلك الليلة المباركة.
كل ذلك يبين لنا مدى الاهتمام بشعائر صلاة الجمعة على نطاق واسع، كممارسة مجتمعية وعادة اجتماعية ثابتة، حيث يجتمع الكل من كافة فئات المجتمع معاً مرة في الأسبوع باستمرار.
وبالتالي نجد أن كل مجتمع يمتلك عناصر ومهارات؛ لضمان استدامة العادات والتقاليد الأصيلة والتراثية الراسخة في أصولهم، مما تعزز الثقافة والتقاليد التواصل عبر الأجيال المتتالية، وفي هذا السياق يعبر المثل اليوناني ببساطة: "أن التقاليد هي العادة الثانية للشعوب".
"أن التقاليد هي العادة الثانية للشعوب".
مثلما يتم نقل التحف والمقتنيات والتراثيات من الآباء والأجداد ويتم عرضها في المتاحف أو في المنازل، فمن الأجدى أن نقوم بنفس الطريقة بنقل تراثنا وحضارتنا وقيّم الأجداد للأجيال القادمة من خلال الأنشطة والفعاليات التراثية المختلفة وبنفس الاهتمام.
نحن نعلم جيداً أن الخلافات تمتد لأزمنة عديدة من خلال إعادة تأجيجها في كل عصر، فيمكن أيضاً للثوابت الأخلاقية والمبادئ أن تكون راسخة ومتكررة في جيل بعد جيل وأن تعزز الاستقرار والاستدامة على المدى الطويل، وقد يتم تمديد الاقتباس "إننا نعيش في اللحظة،" بإضافة: "من أجل المستقبل".
وفي المملكة المغربية، ابتداءً من الرباط وصولاً إلى الدار البيضاء، نجدهم يحافظون على تنظيم تقليد مجتمعي ومهرجان يبلغ عمره 300 عام تقريباً فقط من أجل الوحدة والسلام، وتحتفل القبائل العربية والأمازيغية بالطقوس والتقاليد للحفاظ على الانسجام في مهرجان "الطوايط".

سلسلة فنية رسمتها الشيخة اليازية بنت نهيان آل نهيان،
تحتوي كل لوحة على أقراص كيرم كبيرة.

نشأت كلمة "طوايط" من كلمة أمازيغية الأصل مشابهة تعني "التوحيد والإخاء" والمهرجان عبارة عن تجمع يستمر لمدة خمسة أيام يشهد عروضاً وفعاليات للفروسية واحتفالات ثقافية يتم تنظيمها إحياءً لذكرى اتفاق السلام بين شيوخ العشائر في الماضي وفيه تقترب العائلة الضيفة من القبيلة المضيفة من خلال أشعار وقصائد تقوم الفرقة المعروفة باسم (عبيدات الرامة) بتأديتها وهي فنون فلكورية تحفيزية للجمهور خلال أيام المهرجان، حيث تلعب الموسيقى والفن دوراً رئيسياً في الحفاظ على القيم والتراث والروابط بين المجتمعات.
وكلمة "قيمة" تعريف واضح بمعناها على أنها "مفيدة بالكامل" وتعبر عن وظيفة قيمة من قيمهم، يقّدر العرب"الحياء"، حيث شجع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه)، ابنه على الحياء وأكد له أنه مرغوب في كل شي إلا في العلم، وقال عمر رضي الله عنه (مَن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومَن قلَّ ورعه مات قلبه).

وقد شاركت جدتي الشيخة صبحة بنت محمد، الكثير من القصص معنا عن حياة البدو، عندما كانوا يتنقلون كل ثلاثة أشهر ويقتلعون خيامهم وممتلكاتهم، حيث كان أفراد القبيلة حريصين على ترك منطقة استيطانهم نظيفاً قبل مغادرتهم إلى مكان آخر، متجنبين أي خطأ قد يطول سمعتهم. هذا المفهوم يأتي من حيائهم، ومنها انتفع الناس والطبيعة على حدٍ سواء.
رأى ابن مسكويه، الفيلسوف الأفلاطوني الحديث في القرن العاشر؛ التواضع والحياء كرد فعل محمود على الأمور السلبية. لقد تغير الزمن ولكن هل ستتبدل الفضائل القديمة بهذه التغييرات؟ التقاليد هي سلوكيات بحتة التعامل مع الطبيعة البشرية. ليست قديمة أو جديدة، فهي مجرد جزء من طبيعتنا لأن السلوكيات الواعية تنقّح أفعالنا في المجتمع.
بافتراض أننا جميعاً نخطط لأن نكون أعضاء دائمين في المجتمع، سوف يتطلب ذلك تفاعل مع أنشطة اجتماعية إيجابية في حياتنا اليومية. بالإضافة لصلاة الجماعة والتجمعات العائلية والترفيهيه؛ فإن الألعاب المجتمعية ستنجح أيضاً في إشراك الجمهور.
وقد اكتشف المركز البولندي لآثار منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال هذا العام، قطعة أثرية أخرى تعتبر مألوفة لنا في وادي القُميرة في عُمان. هذا الاكتشاف عبارة عن لعبة ألواح حجرية عمرها أربعة آلاف عام بها مربعات وثقوب، ربما تم لعبها باستخدام الحجارة الصغيرة.
كانت هناك أنواع كثيرة من الألعاب الجماعية موجودة في وقت مبكر منذ وجود الحضارات، كلوحة الكيرم الموجودة في جميع أنحاء آسيا والتي تشترك في لعبها جميع الناس من كافة الأعمار. تمثل هذه اللعبة نشاطاً أساسياً يتمثل في ضرب الأقراص الخشبية على لوح خشبي، وهي تمثل العمر الافتراضي للذكريات التي تقضيها مع الأصدقاء والعائلة والجيران الذين تتراوح أعمارهم بين 9 - 99 عاماً.
وفي سلسلة فنية قد رسمتها، تحتوي كل لوحة على أقراص كيرم كبيرة وعلى خلفية مرسومة بأسهم خافتة للتعبير عن أهمية الممارسات التفاعلية، ولو تبدو بعض ممارسات التفاعل ظاهرياً غير ضرورية، ولكنها تحقق بمهارة الاستقرار المطلوب.
ونجد هنا أن الفن الذي يرتدي ألواناً متنوعة قادر أن يحمل نفس القيم الأصيلة بهدف الاستدامة الاجتماعية، وربط الناس بقيمهم باستخدام الألعاب والتقاليد، سنضمن تعزيز مستقبل أفضل في جميع جوانب الحياة بطريقة معتادة ومرحة.





































