تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

عوالم من السَّعادة في مذاق الأومامي

ضيف العدد

عوالم من السَّعادة في مذاق الأومامي

عوالم من السَّعادة في مذاق الأومامي

منقوشة قشقوان، بإذن من حسين الموسوي.

بقلم
حسين الموسوي

دقيقة للقراءة

August 13, 2023

"يجب أن يكون لك مطعمك الخاص"

هذا ما يقوله بعض الذين يتذوقون طهوي لأول مرَّة. إلا أني لا آخذ هذا الإطراء على محمل الجد، لمعرفتي أنَّ إدارة المطابخ التجارية تختلف عن الطهو المنزلي. عادةً أرد قائلًا إنَّ امتلاك مطعم سيكون لائقًا كمشروع تقاعد، إذ أتخيله بهيئة "تراتوريا"، وهو المطعم الشّعبي في إيطاليا. ستكون الحاجة لإطعام الناس ملحة دائمًا. فلا أرى داعي للتسرُّع، لطالما أني لا أستهوي اتباع صيحة ما، وما دام المردود التجاري ليس هو دافعي الأول.

لا يمكن لصورة "انستغرامية" أن تختزن المعاني التي أتذوقها في الطعام، فغالبًا ما أرى نفسي منجذبًا نحو معرفة تاريخ الوصفة أكثر من مظهر الطبق. مع مرور الوقت، أدركت أنَّ استمتاعي بالطَّعام قد تأثَّر بشكل كبير بالسّرد القصصي. أصبحت لا أرى في الطَّبق النِّهائي إلا عنوان يجذبني نحو التعمق في نصه، بينما يكتفي الكثير بتصفح العناوين.

قد يبدو الأمر شاعريًا لو كان حبِّي للطَّعام نابعًا من مشاهدتي لجدَّتي وهي تطهو، إلا أن الأمر ليس كذلك. أكاد أغبط أولئك الذين لديهم قصصًا عائلية تخص الطعام، ينقلون بها ثروة معرفية لأجيال عبر موائدهم. لو كانت عائلتي مصدر إلهامي في الطَّبخ، لأخذت تجربتي منحىً آخر لربما كان أقل تشويقًا.

<p style="text-align:right;">حسين الموسوي</p>

حسين الموسوي

لعبت كلتا جدَّتاي دورًا إشرافيًّا مهمًا في تحضير الطَّعام، به وجّها بإعداد الأطباق التي تليق بالاحتفاء بمناسبات معيّنة، سواء كانت تجمّعات عائليَّة، أو أيَّام الجمعة، أو الأعياد. كوّنت ممارساتهما معيارًا للطَّعام الخليجي الأصيل، والذي من الصعب العثور على نظيره في المطابخ الشعبية هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة.

لا تستهويني معظم ذكريات الطَّعام عندما كنت طفلًا ويافعًا، باستثناء أيام الجمعة والمناسبات. كان أسلوب الوجبات السَّريعة مسيطرًا على المشهد، وكان إلمامي بالطَّهو أقل من المتواضع.

إذن، كيف تطوَّر اهتمامي بالطَّعام والطَّهو؟ لا أستحضر ولو القليل من الشاعرية بين يديَّ لأعرضها عليكم. لم يكن الطهو أكثر من حاجة عندما ذهبت للدِّارسة في الخارج. كانت هذه أول مرة أغادر فيها وطني وبيتي للعيش لوحدي، ولم أملك القدر الكافي من المال لتناول وجبات المطاعم كل يوم. لذا، كان الطَّهو السبيل الوحيد للبقاء.

لأكون منصفًا بعض الشيء تجاه نفسي، هذا التحدي -وإن كان يندرج ضمن مشاكلات العالم الأول- جعلني بصف أفضل الطُّهاة في التاريخ. بهذا؛ أعني جميع أولئك البشر حول العالم، الذين اخترعوا الوصفات، وأجادوها، ونقلوها في سبيل البقاء.

تم توثيق منشأ العديد من الأطباق التي تطورت في القرنين الفائتين، حيث تم نسب الوصفات لأصحابها. إلا أن معظم المأكولات حول العالم تطوّرت عبر قرون عديدة، وبات الذين ابتكروا وأتقنوا تلك الأطباق مجهولي الهوية.

 تعتبر بعض هذه الأطباق اليوم فاخرة، إلا أن معظمها نشأ نتيجة ظروف قاسية، تم فيها استغلال المُكوِّنات والأدوات المتاحة بأقصى حد. دعوني أذهب بذاكرتي إلى تجاربي الأولى في الطهو عندما كنت في أوائل العشرينيات من العمر، إذ بعد قضاء أربعة سنوات في المطبخ، أذكر أن طبخي كان ما يزال كارثيَّا.

من خلاله أنال حصتي من الغذاء، وأحيانًا افتقر إلى عناصره الصحية. إلا أن هذا، ولسبب ما زلت أجهله، لم يشكل لي مانعًا عن تقديم طبخي للضُّيوف.

 كان أكثر المواقف إحراجًا عندما قدمت طعامًا لصديق، ليقوم يأكل بصمت متجنبًا لإبداء أي رأي جارح. كلَّما فكَّرت بهذا الماضي، تنتابني رغبة في مهاتفة كلّ من جرَّب طعامي لأعتذر له بود.

 كما في المجالات الإبداعية الأخرى، مررت بـ "تأثير يوريكا" فيما يخص الفنون المطبخية. يمر الكثير بهذا التأثير عادةً بعد خوض تجارب طويلة. حصل معي هذا في عام 2009، عندما انتقلت من بريسبان إلى ملبورن المعروفة بتدفُّق المهاجرين من البحر الأبيض المتوسط بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أسهموا في تشكيل الهويَّة المطبخية للمدينة.

بالميرو

<p style="text-align:right;">بإذن من حسين الموسوي.</p>

بإذن من حسين الموسوي.

حالفني الحظُّ أن يكون لي أصدقاء من أصل إيطالي، من خلالهم تعرَّفت ولأوَّل مرَّة على الطَّبخ الإيطالي الأصيل. ما رأيته يخالف مشاهدات طفولتي إذ كانت الباستا تُطهى على شاكلة البرياني، أما البيتزا، فما كانت إلا نسخة مطورة من قبل مطاعم الوجبات السريعة الأميركية.

بعد تجربة أصيلة في طهو الباستا في المنزل لعدَّة مرَّات، قرروا أخذي لتناول ما زعموا أنها أفضل بيتزا في ملبورن. لم تكن لدي حينها ميولي المتشككة، ما أطلق العنان لفضولي.

أخذتني شريحة البيتزا إلى عوالم السعادة "الأومامية"، ثم ذكرتني بماضٍ قريب يعود إلى أيام دراستي الجامعية في دبي، عندما كنت أتردد على أحد المخابز لتذوق منقوشة الـ"جبنة مع بيض وبندورة". كانت هذه البيتزا تحتوي على جميع مقادير المنقوشة ما عدا البيض، إلا أن ما أثار انتباهي هو التشابه في أسلوب الخَبز.

لم تكن هذه اللَّحظة محورية لإدراك فهمي لمعنى الطَّعام فقط، بل أثَّرت كذلك على أسفاري بشكل كبير. ذلك أني اليوم أسعى لاكتشاف الوحدة الثَّقافية للمناطق السَّاحلية لبلدان البحر الأبيض المتوسِّط، حيث يلعب الطَّعام دورًا مهمًا.

 كما أصبحت مكوِّنات كزيت الزَّيتون عنصرًا أساسيًا في المنزل تكاد أهميَّته أن تساوي مياه الشُّرب. انطلاقًا من قصَّة البيتزا، تكون فهمي لعدد كبير من الأطباق. أخذني هذا لمختلف الأماكن، بها استغرقت في الكثير من القصص العائلية وتعرفت على مختلف المناخات وأساليب الحياة.

أكثر ما يجلب السعادة لي اليوم هو الطهو للنَّاس. ذلك أني قد لا أجيد طهو العديد من الأطباق، ولكن أجيد طهو بعضها باحتراف كبير. ما زلت أصُّر أني لست محترفًا، بل مجرَّد طاهٍ منزلي. لا دخل للمهارة في هذا، فالطَّاهي المحترف هو ذاك الذي يطهو لكسب لقمة العيش، به ينغمس في مجال صناعة الغذاء.

قد لا تكون لدي "خدمة العملاء" في منزلي كما في المطاعم، إلا أني أعوض ضيوفي بأخذهم في رحلة تثقيفية ألقي خلالها الضَّوء على أسلوب الطبخ والمكوِّنات، وباقة من القصص المتعلِّقة بالطَّبق الذي أقدمه. لم تكن رحلتي في تعلم الطهو معبدة، وكانت محفوفة بمواقف محرجة.

 إلا أنها أيضًا كانت ممتعة ومؤثرة على الكثير من جوانب حياتي. أرى من الضَّروري تضمين ثقافة الطَّبخ في المناهج التعليمية. بها يتعلم الأطفال إحدى المهارات الحياتية المهمة، ومن جهة أخرى فإنها تضيف بُعدًا لمجالات المعرفة الأخرى مثل: التاريخ والجغرافيا وحتى الكيمياء.

 كم كنت أتمنى لو تعلَّمت في المدرسة التطور البيولوجي للمقادير، وكيف انتقلت عبر القارَّات، لنقوم بعدها بطهيها واستكشاف قيمها الغذائية. عند الخوض في أي نقاش، عادةً ما استعير أمثلة من الطعام في سبيل حل المشكلات، فالأمر لا يتطلَّب سوى الالتفات لماهية الطعام. 

شارع الملك فيصل

<p style="text-align:right;">بإذن من حسين الموسوي</p>

بإذن من حسين الموسوي

أتريدون أن تصبحوا عشّاق الطّعام؟

تحديدًا، يمكننا تعلم الكثير من عملية التَّخمير، التي تشكِّل أساس العديد من تشبيهاتي. مع تقلص "مدى الانتباه" لدينا كبشر، تغمرني الفرحة عندما أستذكر أن بعض الأطعمة - مثل بعض الأجبان والميسو - لا يمكن تعجيل دورة إنتاجها دون التضحية بماهيتها، ما يحيلنا إلى الخضوع لوتيرة الطبيعة. أتريدون أن تصبحوا عشّاق الطّعام؟ على إدراككم أن يتجاوز حاسّة التَّذوق. لا يمكن أن تصبحوا كذلك بالتردد على مطاعم تعكس أساليب طبخ مختلقة. لن يكتمل فهمكم لقيمة الطَّعام إلا عبر استيعاب أنظمته الجغرافيّة، والثقافيّة، والاقتصادية، والاجتماعية.

لنعد إلى البيتزا. عندما ينتابني شعور التلذذ بها وتنقطع بي السبل لإيجاد مطعم بيتزا في الجوار، أسعى باحثًا عن أقرب مخبز لبناني، بحثًا عن منقوشة القشقوان. عند وصولها وقبل ذوبان الجبن، أقوم بتسطيح المنقوشة، ثم أضيف الطّماطم الكرزية، ورشة من الفلفل الحارّ، والرّيحان الطازج، والقليل من جبن البيكورينو المبشور، منتهيًا بقطرات من زيت الزّيتون. لن أدعي أن الطبق إيطالي، إلا أنَّه يخبز على الحطب، والأهم من ذلك أنه يعبر من المنشأ "المتوسطي" للطبق. ماذا عن الثمن؟ لا يكبدني هذا أكثر من سعر البيتزا في معقلها الأول؛ نابولي.

حسين الموسوي: فنان، وراوي، ورئيس تحرير مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية بالإنابة.

مركز دبي التجاري العالمي

<p style="text-align:right;">بإذن من حسين الموسوي</p>

بإذن من حسين الموسوي

الأقسام