تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

محوريَّة المائدة..

واحة فنِّية

محوريَّة المائدة..

محوريَّة المائدة..

مائدة «العصر الحجري»، من تصميم عبدالله العزاز. بإذن من الفنّان. 

بقلم
نورة الداعج

دقيقة للقراءة

July 31, 2023

يُحوِّل الفنَّان عبدالله العزاز الكتل المعمارية من قشرة المظهر إلى عُمق المبنى، بمنحوتات مُنوَّرة تجعل من فنِّه "أسلوب حياة"، يمكن قراءته في أدقِّ تفاصيل أعماله.

خلال عصر اتَّسم بوُفرة المعرفة وسهولة نهلها، وبعد البحث في الأبعاد الرُّوحانية والثَّقافية لتاريخ المائدة وأثرها على حياة البشر، ومن ثم الحديث مع دردشة الذكاء الاصطناعي "ChatGPT"  بشأن خباياها؛ أيقنت بأنَّ دوري هنا ليس في مشاركتكم تعريفات أو سرد تاريخي لها! بقدر الحاجة إلى البحث في فكر مختصِّي المجال لمشاركتنا منظورهم الإنساني، حيث نشكِّل معًا امتدادًا حيًّا لتاريخ المائدة.

نناقشُ هنا فِكر "عَمار الذَّائقة" من داخل حوار تمَّ إجراؤه للمرَّة الأولى مع الفنَّان عبدالله العزاز بتاريخ 13 يناير 2023.

حيث يوثِّق الفنَّان عبدالله العزاز أبعاده الفكريَّة بعدد من المقالات، شملت مجالات: الأيديولوجيا، والطَّاقة، والسِّياسة، والعمارة. وعبر حوارات مختصّة: حوار الفوتوغرافيين "مفلمين" في العام 2022 - داخل بيت الملز بالرياض، وطاولة الحوار "التصميم متعدد التخصصات" 2023 - داخل ملتقى المدينة. كما شارك بلوحة: "وجهان لعملة واحدة" داخل جاليري (نايلا) في الرياض؛ ضمن أفضل 30 من فناني مسابقة الفنِّ الجميل - في العام 2016، وقد عُرضت مؤخرًا ثلاثة من أعماله الفنِّية في المعرض الفوتوغرافي "مذكَّرات مجهولة" داخل بيت الملز - في العام 2023.

<p>الفنَّان عبدالله العزاز.&nbsp;</p>

الفنَّان عبدالله العزاز. 

"من الصُّعوبات خلقنا النُّور، حرصنا على أن يكون (تشنك سدره) مبنى مُنورًا."

يبتكر عبدالله العزاز (هُويَّة التَّصميم) الخاصَّة به، بصفته عضوًا ومديرًا إبداعيًّا في شركة عزاز المعماريَّة منذ عام 2017. بعد أن نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة سيراكيوز - نيويورك. أعماله تستند على أنَّ العمارة الصحيَّة لذائقتنا تعني العمارة الناجحة؛ وذلك عبر إيماءات فلسفيَّة في الكتلة والملمس، يمكن لمتذوقها أن يقرأ توقيع الفنَّان الاستثنائي داخلها، إلى جانب كونه مصورًا فوتوغرافيًّا يحسن التَّعامل مع النُّور والغرفة المظلمة؛ مما يجعل فنون عبدالله في مجملها لغة مستقلة بحدِّ ذاتها.

يتناول الفنَّان هنا مفهوم "مِحورية المائدة"، عبر حوار ثريٍّ على طاولة إثرائيات:

هل توافق على وجود رابط بين تذوُّق الطَّعام وتجربة العمارة ككل، هل هي تجربة واحدة؟

أعتقد بأنَّ ابتكار المكان وإبداع الطَّعام كلٌّ منهما تجربة متكاملة، وليس بالضَّرورة تجربة واحدة؛ ووجود واحدة لا يتطلب بالضَّرورة وجود الأخرى. أحيانًا قد يُقدَّم طبق على سفرة أرضيَّة في مكان خلاء، مثل "كشتة في البر" وتكون تجربة متكاملة. وقد تتطلَّب التَّجربة أن تكون في مكان معماري يدعم طبق الغذاء المقدم.

تتباين مجالات الحياة المختلفة، وتجتمع على محور الغذاء؛ إذا أخذنا هذه الفكرة من منطلق "التَّصميم في كل شيء" كيف يمكننا أن نتبنَّى مبدأ "تذوُّق العمارة"؟

سؤال صعب؛ أعتقد أنَّ عدَّة مجالات تتشارك في مفهوم التَّصميم؛ وأنَّ للكلِّ اهتمام بذلك بأشكال متنوِّعة. وحسب ما تبيَّن لي من الحوارات وبعض النِّقاشات التي سمعتها أو أجريتها مع الزُّملاء؛ أنَّ لكلِّ مصمِّم مفهومه الخاصّ في هذا الشَّأن. بينما عند الحديث عن المفهوم الذي استقطعتِ منه هذه الجزئية: "أن يتشارك النَّاس في الغذاء"، كلُّنا لديه فكرة موحدة عن أهميَّة الغذاء؛ بينما لدينا وجهات نظر مختلفة بماهية مفهوم التَّصميم. وهذا الشَّيء صحِّي ومحفِّز كالوقود الذي يدير العجلة التَّصميميَّة! لأنَّ النِّقاش ما يزال مستمرًّا. لم نصل إلى نقطة نهاية السَّطر فيما يخصُّ ذلك، وهذا ينعكس أيضًا على ذائقة التَّصميم؛ نحن نرى أنَّ الذَّائقة تختلف من شخص إلى آخر، فما بالك من مصمِّم إلى مصمِّم؟ كلٌ لديه فكرة، تجربة وتاريخ؛ تعدُّديَّة تعطي نتائج مختلفة، وبالتالي تنعكس على اختلاف الذَّائقة بين المصمِّمين.

<p style="text-align:right;">باريس، فرنسا، بعدسة الفنَّان عبدالله العزاز. بإذن من الفنَّان.&nbsp;</p>

باريس، فرنسا، بعدسة الفنَّان عبدالله العزاز. بإذن من الفنَّان. 

كيف يمكن دمج "التَّغذية البصريَّة بتغذية الطَّعام"؟

أسئلتك جديدة! يمكنني هنا أن أستند إلى تجربتي الشَّخصية كوني أهوى الطَّعام؛ بالنِّسبة لي فكرة الطَّعام في عصرنا الحالي تعدَّت الحاجة إلى الغذاء وأصبحت فنًّا بحدِّ ذاتها. ففي بعض الأماكن المتقدمة أصبحت الوجبة المقدمة تصمم قبل التنفيذ، ومثل العمارة أصبح لذائقة الطعام كورس في التصميم وليس فقط قوت يقدم في طبق.

مائدة العصر الحجري: طاولة طعام بمواد من الطَّبيعة من تصميمك، حدِّثنا عن هذا التَّصميم أكثر.

عندما نرفع القلم ونبدأ بالتَّصميم؛ تستهويني دائمًا فكرة السُّؤال: هل التَّصميم يبدأ من الحاجة التي تحدِّد الوجه التَّصميمي؟ أم نبدأ بالوجه التَّصميمي أو بالكتلة أو بالشَّكل؟ وهل هذا يحدِّد لك الحاجة أو التَّصرفات أو الاستخدامات؟ هل الاستخدام يسبق الكتلة أو أن الكتلة تسبق الاستخدام؟ هذا السُّؤال ليس له جواب.

ولكن، ما حدث في "مائدة العصر الحجري" أسقطت كلا الخيارين بدمجهما، وُجدت حاجة لخلق هذه القطعة - أي الاستخدام، وفي ذات الوقت كانت فكرة الكتلة واضحة منذ البداية، حيث كان هناك توجُّه واضح لخلق شكل جديد لهذا الاستخدام، مستوحى من الطَّبيعة لأنَّه مكان يعكسها. فكانت الفكرة هي خلق مائدة طعام كل موادها طبيعيَّة مصنوعة من حجر الترافرتين.

<p style="text-align:right;">صورة فوتوغرافية بعدسة الفنَّان عبدالله العزاز. بإذن من الفنَّان.&nbsp;</p>

صورة فوتوغرافية بعدسة الفنَّان عبدالله العزاز. بإذن من الفنَّان. 

هل لمائدة العصر الحجري علاقة بموضوع الطَّعام ذاته وتذوّق الأطباق؟

أكيد، هذه أول تجربة لي في تصميم قطع الأثاث وعندما اخترت تصميم قطعة أثاث بدأت من حيث الشَّغف، لأنَّ المائدة عندي ترمز لأكثر من مجرَّد استخدام الغذاء أو الأكل أو الطَّعام؛ هي نقطة التَّجمع، على المائدة ليس فقط تقدِّم الأطعمة؛ بل الحوارات، وجهات النَّظر، الأحاديث، الضَّحكات وأحيانًا الدُّموع! بالنِّسبة لي، كانت مركزية المائدة برمزيَّتها هذه البداية التي أردت أن انطلق منها في مشوار تصميم الأثاث. إضافة إلى وجود شغف ورغبة واهتمام بموضوع الطَّهي والطَّعام والذَّائقة؛ كانت هناك أبعاد أكثر وأوسع للرَّغبة في البدء في تصميم الأثاث.

(هل لها بُعد إنساني؟).. أكيد، كل العوامل التي ذكرتها هي أبعاد إنسانية.

بدأنا ملاحظة التَّعبير الإبداعي باللُّغة العربية على صفحات عزاز المعمارية، هل هذا توجُّه جديد؛ وماهي اللُّغة الأساسية التي يتم التَّفكير بها - العربية أو الإنجليزية؟

هو ليس بأسلوب جديد، إنَّما نحن منذ البداية نحاول دعم الفكرة التَّصميمية من خلال اللُّغة. كنّا دائمًا شديدي الحرص على الظهور باللغة الإنجليزية واللُّغة المحلية العربية، لأنَّنا نحن باقون هنا ونحن من هذه اللُّغة. ولكن اللُّغة عندنا هي مجرد وسيلة لدعم الفكرة الأساسية "التصميم المعماري" الذي لا يمتثل للغة، فهو بالنِّهاية فكرة يتم خلقها وإيصالها عن طريق لغة العمارة المستقلَّة بحد ذاتها.

 (لغة عالميَّة؟).. بكلِّ تأكيد.

<p style="text-align:right;">تصورٌ لتصميم "تشنك، سدرة" على صفحة عزاز المعماريَّة. بإذن من الفنّان.&nbsp;</p>

تصورٌ لتصميم "تشنك، سدرة" على صفحة عزاز المعماريَّة. بإذن من الفنّان. 

احكي لنا عن "تشنك سدره" وعلاقته بموضوع التَّصميم متعدِّد الاستخدامات؟

"تشنك سدره" هو تعاوننا الأول مع شركة Chunk، أعتقد أنه تعاون ناجح على الرغم من أنَّنا لم ننطلق بالحملة الإعلانية بعد؛ ومع ذلك رأينا أن المكان تجلَّى وبان. تجربتنا في "تشنك سدره" هي تجربة جديدة وفريدة؛ لأنَّ المبنى كان قائمًا على استخدام سابق شكَّل الكتلة المعمارية بصورة لا تناسب الشَّكل الجديد. فلمَّا دخلنا إلى "تشنك سدره" بكتلته السَّابقة وجدنا أنَّه لا يتطابق أبدًا مع فكرنا المعماري ولا مع المكان الذي نريد تشكيله، وقد يكون هو أصعب المشاريع التي دخلنا في تصميمها لوجود عوائق فيزيائية وإنشائية في المبنى، حدّت من إمكانية البدء من الصِّفر. فكان المبنى موجودًا بعدَّة أشكال وحواجز، ولكن من الصُّعوبات خلقنا نورًا. كنَّا حريصين على أن يكون منبع نور، ولذلك هو مبنى مُنوَّر… أبيض.

ويشكر الإخوة في "تشنك" على دعمنا باستلهام الكثير من الأفكار من خلال هُويَّتهم الإبداعيَّة. استندنا كثيرًا على ملفِّ هويَّة العلامة التابع لـ"Chunk"، لاستلهام الأفكار المعمارية. كنا حريصين على ألا يكون المشروع مجرَّد تصميم داخلي بقدر ما كنا نحاول إبراز كتل معمارية إلى الداخل، وأعتقد أنّ نجاحنا كان باهرًا في ذلك. وأود أن أنوه؛ بأنَّ هذا ليس التَّعاون الأخير مع مجموعة "Chunk"، لدينا عدَّة مشاريع ستنطلق وسترى النُّور قريبًا بإذن الله.

"نأمل أن تكون مشعة مثل تشنك سدره".

كيف يمكننا التَّوفيق بين فلسفة التَّذوق والعمارة؟ وماذا يعني لك مفهوم "عمار الذَّائقة"؟

ما يخص التَّمازج بين التذوق والعِمارة؛ أنهما وجهان لعملة واحدة، أن تبني عمارة صحيِّة يعتمد ذلك بشكل كبير على مفهوم الذائقة، وأن تبني عمارة ناجحة يجب أن تستحسن ذائقة المتلقي والمصمِّم وصاحب المشروع وكل الأطراف ذات العلاقة. وقد تتعدَّى الذَّائقة هنا فكرة الموضوعية وصولًا إلى فكرة العلوم، وأن تبني عمارة ناجحة يجب أن تحقِّق عدَّة شروط، منها بأن يكون المكان مناسبًا لمعايير متفق عليها قبل البدء بالتصميم. أعتقد أن الذائقة تبنى بالتجارب والتاريخ، ويمكن إلى حد ما أن نبني ذائقة من خلال تطوير علوم وتجارب معينة ودمج الناس للخوض في مسار معين. ولكن بالتَّأكيد لا يمكننا أن نتحَّكم في توحيد الذَّائقة، فعندما نحاول أن نبني ذائقة معيَّنة نستطيع أن نرسم عوامل تؤدِّي إلى ارتقائها، ولكن لا أعتقد أنَّه يمكننا أن نحدِّد أو نبنيها على مستوى واسع، لأنَّه لكلِّ فرد تجربته وتاريخه الخاصّ الذي يبني به ذائقته.

ختامًا، تفاجأت بالأسئلة! موضوع جديد لم يتطرَّق له صحفي. أنا سعيد بهذا الحوار معكِ، وشكرًا لهذه الأسئلة الجديدة.