الثَّقافة من خلال الفنِّ الرَّقمي
الفنان أحمد الرفاعي
يُعرف أحمد الرفاعي باسمه المستعار (اويكيو OwaikeO)، وهو رسّام ومصمِّم جرافيك من الكويت، يملك لمسته الفنِّية الخاصة التي تُعرِّف الثَّقافة العربيَّة والكويتيَّة بأسلوب نابض بالحياة بشكل حديث. بدأ شغفه بالفنون منذ سنوات الطُّفولة الأولى، عندما استوحى رسم شخصياته من أبطال أفلام الرُّسوم الكرتونية المفضَّلة التي تعرض على التلفزيون. نمت هوايته منذ ذلك الحين، وتطورت على مرِّ السِّنين إلى عمل مزدهر منها ابتكار التَّصاميم للعلامات التِّجارية المحليَّة والدوليِّة، بما في ذلك شركة غوغل.
الفنّان العصامي الذي علَّم نفسه كيف يستخدم رسوماته كشكل من أشكال التَّعبير، يُعلِّق من خلالها على القضايا اليوميَّة في الخليج والمجتمع العربي، ويتضمن فنُّه أيضًا بعضًا من ذكرياته المفضَّلة من طفولته التي تمَّ تصويرها بأسلوب (فنّ البكسل) لتحقيق إحساس قديم بالثمانينيَّات. هدفه تنمية مهاراته، وبيان جمال التَّعلم من الثَّقافة والتَّقاليد، وكيف يمكن للماضي دعم الأفكار الجديدة.
في هذه المقابلة مع إثرائيات، نتعرف على الفنّان أحمد الرفاعي وإبداعه، وعلى رحلته في مجال الفنِّ الرَّقمي، وأفكاره حول مستقبل هذا المجال وسط تطوّرات الذّكاء الاصطناعي.

البضائع البشرية، 2019. بإذن من الفنَّان.
ما هو أكثر شيء يلهمك؟
بالتّأكيد الثَّقافة والتَّقاليد والتَّجارب الشَّخصية. على مرِّ السِّنين، طوَّرت شغفي بالفنِّ من خلال التَّعلم واكتشاف المزيد والمزيد. لقد كنت عنيدًا فيما مضى، واعتقدت أنَّ شيئًا جديدًا يمكن صنعه دون معرفة ما هو موجود. لكن تعلَّمت أنَّ كلَّ شيء جديد قد تم إنشاؤه، وأن ما نقوم به هو بالأحرى نسخة مختلفة مستوحاة من أشياء عديدة، فوجدت شغفي في الثَّقافة والتَّقاليد، وكرَّستهما في أساس أيِّ عمل فنّي ابتكره.
ما الذي تتمنى أن يشعر به المشاهدون عندما يرون أعمالك الفنيَّة؟
أشكِّلُ الفنّ لأنَّني أستمتع به. وجود جمهور يساعد بالتّأكيد في دعم هذا الشَّغف. ولأنَّني مغرم بالثَّقافة والتَّقاليد، يكون هدفي في كلِّ عمل فنِّي إثارة الاهتمام والعاطفة، وفي بعض الأحيان تقديم رسالة مقنعة، مما يُيسِّر للجمهور ترجمة العمل بأنفسهم. بالنِّسبة للمهتمِّين من الفنّانين، أحاول تشجيعهم على التَّأثر بثقافتنا وتقاليدنا، والتَّعلم من الماضي ونقله إلى الجيل التَّالي، كلٌّ منهم بمنظوره الخاص.

مشهد من سوريا، بإذن من الفنّان.
أخبرنا عن سلسلة "مشهد"، حيث تلتقط رسوماتك لحظات من الماضي من بلدان عربية مختلفة. ما الذي ألهمك لبدء هذه السّلسلة؟
تتكَّون سلسلة أعمال (مشهد) من ستّة أعمال فنِّية متحرِّكة ببراعة، تصوِّر رجالًا ونساء يمارسون مهنهم في جميع أنحاء المنطقة. لم تأتِ الفكرة ببساطة، كنت أصنع عملًا فنيًّا واحدًا مع جدَّةٍ سورية باستخدام ماكينة خياطة قديمة، وأثناء عملي، كنت أرغب في استكشاف المزيد. تحولت السِّلسلة إلى قصيدة تقدير للمهن المختلفة، مثل: الأعمال الجلدية، ونحت الأحجار الكريمة، وصنع الشاي والفخار. ساعدني ذلك في معرفة المزيد عن الثَّقافات العربيَّة المختلفة، وبالتالي ربط المشاهدين بها، وحثِّهم على معرفة المزيد عنها.
كشخص بدأ التَّصميم الجرافيكي كهواية، متى عرفت أنَّك تريد أن تكون مصمِّم جرافيك بدوام كامل، وتحول هذه الهواية إلى مهنتك الفعليَّة؟
عندما كنت صغيراً، لم أكن اجتماعيًا تمامًا، لذلك كانت الفنون وأجهزة الحاسوب هي ملاذي والأدوات التي استمتعت بها أكثر. استمتعت بمشاهدة الرُّسوم المتحرِّكة، ولكنِّي كنت مهتمًا أكثر بكيفيَّة صنعها. قادني هذا إلى الشَّخبطة يوميًّا، وتجربة تصميم الجرافيك عندما كنت في المدرسة الثانوية. كنت آخذ أوراق العمل المملَّة وأنشئ حدودًا وعناصر رسوميَّة لإضافة شيء من التَّميز عليها. في هذه المرحلة، أحببت الفنّ وأردت حقًا أن أواصله كإبداع ومهنة. نظرًا لكوني تعلَّمت بمفردي، فقد أخذت على عاتقي التَّعلم بأي وسيلة. لم أتخصَّص أكاديميًّا، لكنَّني ما زلت أعمل بشكلٍ حرٍّ مع العديد من التَّجارب والأخطاء حتّى وصلت إلى ما لديَّ اليوم.
من هو الفنّان الذي أثر على أسلوبك أكثر من غيره؟ فنّان تعتبره قدوة
الرُّسوم الخاصَّة بي، هي نوع من مذكِّراتي الشخصيَّة، فهي مزيج من أشياء كثيرة أحبُّ استكشافها وتطويرها. لا أستطيع أن أشير إلى فنّان معيَّن، لأنِّي أجد دائمًا الإلهام في كلِّ شيء. ومع ذلك، فإنَّني أهدف دائمًا إلى إنشاء أسلوبي الخاص، لذا فأنا لا أنسخ أبدًا، ولكنِّي أحبُّ أن أبقى على دراية بجميع التَّطورات في التَّصميم والرَّسم. ستجد في تجربتي عملًا معقدًا للغاية وعملًا مبسطًا للغاية، عبر العديد من الموضوعات، مثل: الثقافة، وتصميم الشخصيات، وتصميم البيئة، وما إلى ذلك.
ما هي النَّصيحة التي تقدِّمها للفنّانين المتردِّدين إزاء تحويل هوايتهم إلى عمل حقيقي؟
تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي مكانًا رائعًا للتَّطور، ولكن يمكن أن يكون مكانًا يخنق هوايتك، ويعيدها إلى الوراء إذا لم تكن حريصًا. أميل إلى التركيز على تحسين مهاراتي، وخلق أسلوبي الخاص، وعرض عملي بأفضل ما أستطيع. أستمع إلى التَّعليقات وأجد الإلهام، لكنَّني أتجنَّب ركوب قطار باتِّجاه محدَّد. فاتباع الاتجاهات لا يساعد المرء على التَّميز، بل إنَّ مجرَّد تلبية ما يريده النّاس؛ يبعدك ببطء عن أسلوبك الفنّي، وبدوره سيتراجع عملك. إذا كان المرء يزاولُ مهنةً كصحفي مستقل على سبيل المثال، فيجب عليه الاعتماد على شخصيَّته وأسلوبه، وكذلك على طريقة عرض أعماله؛ لأن هذه كلها مهمة جدًا. أخيرًا، يستغرق إنشاء شركة خاصّة الكثير من الوقت، وقد يكون اتجاهًا اختياريًا بالنِّسبة لي، ولكنَّه بالتأكيد أكثر ربحيَّة. باختصار: لا تفقد أسلوبك لأن السوق يتطلب غير ذلك، فمن واجبنا التثقيف واتخاذ موقف تجاه ما نقوم بإبداعه.

شجرة النَّخيل، بإذن من الفنَّان.
في رأيك كيف سيكون حال الرّسامين في المستقبل مع التّطور السّريع للذّكاء الاصطناعي؟ هل تعتقد أنّه سيتم استبدال أدوات التّصميم بأدوات الذّكاء الاصطناعي؟
هذا الموضوع جدلي جدًّا؛ شيء واحد مؤكّد وهو أنَّ الذَّكاء الاصطناعي ليس جديدًا وأن الحوسبة على أي برنامج هي شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي. والأمر الجديد الوحيد هنا هو أنَّ الذّكاء الاصطناعي قد تحوّل من كونه مجرد أداة إلى كونه مبدعًا، وهذا ما يجد فيه الكثيرون مشكلة. ومشكلتي على وجه الخصوص لا تتعلَّق بإنشاء الحاسوب للرُّسوم، ولكن أهتم أكثر بالأدلّة الدّامغة على أنّ الذّكاء الاصطناعي يلتقط صورًا وأعمالًا فنّية لأشخاص آخرين ويدمجها معًا. هي تكنولوجيا عبقريّة، ولكنَّي أتساءل عن أساسها وأخلاقياتها. ما تزال اللّوحات الزَّيتية اليوم موضع تقدير وطلب. حتى مع الفنّانين الرَّقميين؛ هم لا يحِلّون محلَّ الفنّانين التَّقليديين، فهم سلالة مختلفة يقومون بعملهم، والمجالات المختلفة تتَّسع للجميع. كفنّان؛ أنا حكواتي، أستمتع بما أفعله، ولن أستعجل القيام بعملي، كل الأشياء الجيّدة تتطلّب الصَّبر.

وجبة التسعينيات، بإذن من الفنّان.

اسمي وافد، بإذن من الفنّان.
عملك الفنِّي يصوِّر التُّراث العربي بشكل فريد، لماذا ركَّزت على التُّراث بدلًا من الموضوعات الحديثة؟
كان عملي السّابق مزيجًا من أشياء كثيرة، لكن على مرّ السنين شعرت بالغربة وقلّة المعرفة بتراثنا. ثمّ تعرّفت على موضوعات فنّية تقليديَّة مثل الجمال والصحاري، ولم أجد نفسي مجبرًا على المحاولة. في وقت لاحق، أردت إثبات أنّني مخطئ، وانخرطت في مهمّة استكشاف التّراث، بدلًا من النّظر إليه على أنّه شيء قديم، بحثت عن فرصة لتثقيف نفسي، وتحديث التّراث في نهاية المطاف. لقد وقعت في حبِّ القديم وتعلمت منه، وهذا ما يمكِّنني من القيام بذلك.
فيما يتعلق بالطّعام، ما هو الطّبق الذي يجلب لك حنينًا كبيرًا إلى الماضي؟
ربَّما مصَاصات الآيس كريم التي تجدها في العربات هنا في شوارع الكويت، إنَّ صنعها وتعبئتها وتغليفها متشابه ولطيف غالبّا.








































